كيف ننتصر على ثقافة الهزيمة؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 108
  • رقم الاستشارة : 5003
06/06/2026

ثقافة الهزيمة ما هي وكيف يمكن أن ننجو منها وهل تلك الثقافة تعني تغلغل الضعف ام أنها حالة نفسية تبرر الاستسلام؟

الإجابة 06/06/2026

أخي الكريم، من أصعب ما تواجهه الأمم والأفراد الهزيمة الداخلية، أي في النفس والوجدان والإرادة، فتلك الهزيمة تصيب قلاع الصمود بالتهاوي والانهيار، وهذه الروح البائسة الخائرة، هي ما نسميه ثقافة الهزيمة، تلك الثقافة التي تبرر الاستسلام، ولا تنظر للذات إلا من خلال الضعف، ولا ترى في الآخر إلا قوة باطشة لا سبيل لردها أو مقاومتها.

 

ما هي ثقافة الهزيمة؟

 

تدور تساؤلات حول ردود الفعل النفسية والثقافية المعقدة للأمم المهزومة تجاه تجربة الهزيمة العسكرية؛ فالهزيمة في حقيقتها ليست انكسارًا عسكريًّا، أو هزيمة جيش في معركة أو ميدان فقط، ولكنها قد تفتح أبوابًا من التساؤل والتشكيك حول هوية المجتمع والأسس التي يقوم عليها، وشرعية الحكم، وشرعية السياسة وممارستها.

 

أما ردود الفعل للأمم المهزومة فمتنوعة حسب قوة هويتها ومرارة هزيمتها، فبعضها تُحاكي المنتصر، وهذه المحاكاة قد تكون في أسلوب معيشته، وبعضها يُحاكي المنتصر في طريقته في تحصيل القوة والانتصار.

 

وهذا الملمح انتبه إليه العلامة "ابن خلدون" عندما قال: "المغلوب مولعٌ أبداً بالاقتداء بالغالب، في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده"، وقد علل "ابن خلدون" السبب في افتتان المغلوب بالمنتصر، بقوله: "والسبب في ذلك أن النفس أبدًا تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي إنما هو لكمال الغالب"، وقد كان "ابن خلدون" دقيقًا عندما وصف حالة هذا الانهزام الثقافي للمغلوب بقوله: "إنه من علامات الاستيلاء والأمر للَّه".

 

أخي الكريم، إن تسرب ثقافة الهزيمة إلى روح الأمة يؤدي إلى فنائها وهلاكها؛ فروح المقاومة من علامات الإصرار على الحياة والوجود، يقول ابن "خلدون" في مقدمته: "والسبب في ذلك والله أعلم ما يحصل في النفوس من التكاسل إذا ملك أمرها عليها وصارت بالاستعباد آلة لسواها وعالة عليهم فيقصر الأمل ويضعف التناسل، والاعتمار إنما هو عن جدّة الأمل وما يحدث عنه من النشاط في القوى الحيوانية، فإذا ذهب الأمل بالتكاسل وذهب ما يدعو إليه من الأحوال وكانت العصبية ذاهبة بالغلب الحاصل عليهم تناقص عمرانهم وتلاشت مكاسبهم ومساعيهم وعجزوا عن المدافعة عن أنفسهم بما خضد الغلب من شوكتهم فأصبحوا مغلّبين لكل متغلّب وطعمة لكل آكل، وسواء كانوا حصلوا على غايتهم من الملك أم لم يحصلوا" (والخضد هو الكسر).

 

ونشير هنا إلى كتاب حديث بعنوان "ثقافة الهزيمة: حول الصدمة الوطنية والحداد والتعافي" للباحث والمؤرخ الألماني "فولفغانغ شيفلبوش" الذي رصد فيه تأثير الهزيمة على ثلاثة مجمعات، هي: الجنوب الأمريكي بعد الحرب الأهلية الأمريكية سنة 1865م، وفرنسا في أعقاب هزيمتها أمام بروسيا عام 1870م، وألمانيا عقب الحرب العالمية الأولى، ووجد هذا المؤرخ أن –مثلا- فرنسا بعد هزيمتها قلدت بروسيا في نظامها العسكري الصارم، حيث امتدت العسكرة إلى التعليم، فكانت الكثير من المدارس الفرنسية على غرار المدارس البروسية في الجانب العسكري.

 

وفرق الكتاب بين الهزيمة العسكرية والتفوق الثقافي، فالهزائم العسكرية قد تكون انتكاسات مؤقتة، أما الهزائم الثقافية فتعني هزيمة في النفس والوعي وانتقاص للذات.

 

كيف نتخلص من ثقافة الهزيمة؟

 

أخي الكريم، التخلص من ثقافة الهزيمة ليس عملية سريعة، ولكن مسار تراكمي طويل، يتطلب الإرادة، والتعرف على الذات، والتمسك بالهوية، مع جهود لتجاوز هوة الهزيمة، ولذلك كان المفكر "مالك بن نبي" يرى أن من معالم ثقافة الهزيمة هي حالة التكيف المجتمعي مع القابلية للاستعمار وقبول الهزيمة، وبالتالي يتحول الخلل العسكري إلى جزء من البنية النفسية والثقافية في المجتمع، فيتوقف الدافع الحضاري وتتراجع الفعالية، ويصبح المجتمع مكبلاً بالإحساس بالعجز من داخله وقابلاً للتبعية، ويفضل التماهي مع المتغلب أو المستعمر، وذلك أن ثقافة الهزيمة تُخيل للمجتمع أن جذوره تسبح في فراغ؛ لذا يكون احتقار الذات هو الشعور الغالب في ثقافة الهزيمة، فيتكرس كل رديء في المجتمع.

 

التغلب على ثقافة الهزيمة مدخله الأول والرئيسي هو تغيير ما بالنفس من ضعف وخذلان وهوان، ولعل إحدى المشكلات التي طرحها "صمويل هنتجتون" في العلاقة بين المسلمين والغرب، هي: أن المسلمين يقاومون ثقافة الهزيمة، ويشعرون أنهم عل قدم المساواة مع الغرب، على خلاف شعوب ومجتمعات أخرى، وأن المسلمين يظنون أن الفارق بينهم وبين الغرب هو فارق تقني تكنولوجي، وأن المسلمين يعتقدون أنهم الأفضل، ولعل هذا ما جعل الكثير من المسلمين، رغم حالة الانبهار بالغرب، لم يعترفوا بثقافة الهزيمة، ويرون أنهم يتمتعون بجدارة تؤهلهم للعودة لدورهم الحضاري والريادي، وربما هذا الاعتزاز بالذات مما ميز الحالة الإسلامية رغم الهزائم.

 

ونشير هناك إلى حوار ذي دلالة بين المصلح الجزائري الكبير "عبد الحميد بن باديس" رحمه الله تعالى والوزير الفرنسي "دالادييه"، عام 1936، فعندما أراد هذا الوزير أن يخوف ابن باديس بمدافع فرنسا الطويلة، قال له ابن باديس "عندنا مدافع أطول" فتعجب الوزير، فقال له ابن باديس "إنها مدافع الله" فهذه الثقة والاعتزاز، رغم حالة الضعف، من موانع ثقافة الهزيمة، لذا كان يقول الأديب الإنجليزي "شكسبير": "المهزوم إذا ابتسم أفقد المنتصر لذة الفوز".

 

موضوعات ذات صلة:

ماهية الجذور الفكرية للاستعمار الاستيطاني

هل ثقافة الاستسهال تعيق النهوض الحضاري؟

الأفكـــار والدافعية للنهوض

ما هي المركزية الغربية وتأثيراتها العالمية؟

هل أحيا الغرب اهتمامنا بالشورى في العصر الحديث؟

كيف عالج الفكر الإسلامي آفة التسويف؟

الرابط المختصر :