ما هي حدود الرعاية المالية الواجبة في مال التركة لصالح الأرملة التي لا معيل لها قبل قسمة الميراث؟ وهل يجوز التنازل لها من بقية الورثة تفادياً لضررها الاجتماعي؟
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد
فأهلا وسهلا ومرحبا بك أخي الكريم، واعلم حفظك الله أن الشريعة
الإسلامية الغراء جاءت بالعدل والرحمة، ورعت حقوق الضعفاء، وجعلت للمرأة مكانة
مصونة، خاصة في أحوال انكسارها بفقد الزوج الشريك والمعيل. ومن المسائل التي تتطلب
نظراً فقهياً دقيقاً يجمع بين إعطاء كل ذي حق حقه وبين المقاصد الإنسانية
والاجتماعية، مسألة رعاية الأرملة التي لا معيل لها في الفترة الممتدة بين وفاة
زوجها وقسمة التركة، ومدى جواز تنازل الورثة لها دفعاً للضرر عنها.
اختصارا:
1. الرعاية
المالية الواجبة قبل القسمة: الأصل الشرعي أن التركة بمجرد الوفاة تنتقل ملكيتها إلى عموم الورثة،
ولا تجب للأرملة "نفقة" مستمرة من أصل التركة قبل القسمة عند جمهور
العلماء، وإنما تستحق نصيبها المقدر شرعاً الثمن أو الربع بعد سداد الديون
والوصايا. ومع ذلك، يجب لها حق السكنى في بيت الزوجية طيلة فترة العدة أربعة أشهر
وعشراً دون أن يملك الورثة إخراجها.
2. التنازل
الاختياري من الورثة: يجوز شرعاً بل يُندب ويُستحب لبقية الورثة التنازل للأرملة عن جزء من
نصيبهم أو تخصيص ريع من التركة لرعايتها، بشرط أن يكون المتنازل بالغاً رشيداً
عاقلاً، وأن يكون التنازل بطيب نفس؛ تفادياً لضررها الاجتماعي وتحقيقاً لصلة الرحم
والتكافل.
أولاً:
حكم النفقة والسكنى للأرملة قبل قسمة التركة
- رأي جمهور الفقهاء الحنفية، المالكية،
الشافعية، والحنابلة:
ذهب
الجمهور إلى أن الأرملة لا نفقة لها في التركة بعد وفاة زوجها؛ لأن النفقة تجب بتمكين
المرأة من نفسها، وقد انقطعت علاقة النكاح بالموت، وتحولت أموال الزوج إلى تركة
مملوكة لجميع الورثة.
- جاء في "المبسوط"
للسرخسي الحنفي: “وإذا مات
الرجل فلا نفقة لمعتدته، سريّة كانت أو حرة، حاملاً كانت أو حائلاً... لأن
الملك بالموت انتقل إلى الورثة، والنفقة كانت تجب في ملك الزوج لا في ملك
غيره”
- وجاء في "المدونة"
للإمام سحنون المالكي: “قلتُ: هل
كان مالك يوجب للمتوفى عنها زوجها النفقة في مال زوجها؟ قال: لا نفقة لها في
ماله حاملاً كانت أو غير حامل”
- أما السكنى في العدة: فقد أوجبها الجمهور في بيت
الزوجية إن كان مملوكاً له أو مستأجراً ونقد أجرته، مستدلين بقوله تعالى: لَا
تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ.
- رأي بعض السلف ابن شبرمة وبعض أهل الظاهر:
ذهبوا
إلى أن المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملاً تُنفق عليها من التركة حتى تضع حملها،
قياساً على المطلقة بائناً.
- الرأي الفقهي المعاصر:
تؤكد
دور الإفتاء كدار الإفتاء المصرية ودائرة الإفتاء الأردنية على الالتزام برأي
الجمهور في عدم وجوب النفقة المستمرة من التركة قبل القسمة إلا من نصيب الأرملة
نفسه، مع تشديدهم على سرعة قسمة التركات لتأخذ الأرملة نصيبها المستقل الذي يعينها
على معاشها دون تعطيل.
ثانياً:
حكم تنازل الورثة تفادياً لضررها الاجتماعي
اتفق
العلماء قديماً وحديثاً على مشروعية "التخارج" أو التنازل بطيب نفس من
الورثة الأقوياء لصالح الورثة الضعفاء كالأرملة.
- وجاء في "المغني" لابن قدامة: “ومعنى
التخارج، أن يتصالح الورثة على إخراج بعضهم من التركة بشيء معلوم منها أو من
غيرها... وهو جائز لأن الحق لهم، فجاز لهم تصرفهم فيه كيف شاءوا”
- الفتاوى المعاصرة: تحث على هذا المسلك من باب المروءة والبر،
وتعتبر التنازل للأرملة التي لا معيل لها نوعاً من الصدقة وصلة الرحم المأجور
عليها الفاعل، شريطة ألّا يُكره أحد من الورثة، وألّا يقع التنازل من مال
قاصر صغير السن أو سفيه؛ لأن أموال هؤلاء تجب حمايتها ولا يجوز التبرع منها.
القواعد
الفقهية الحاكمة:
1. قاعدة:
"لا ضرر ولا ضرار"
تُطبق
هذه القاعدة لمنع إلحاق الضرر الاجتماعي والمادي بالأرملة؛ لذا يوجب الشرع لها
السكنى في فترة عدتها لحمايتها، ويُندب الورثة للتنازل وتأمين عيشها منعاً لضرر
الحاجة والابتذال بعد عزة زوجها.
2. قاعدة:
"الضرر يُزال"
إذا
كان ترك الأرملة بلا معيل يسبب لها ضرراً اجتماعياً ظاهراً، فإن تشجيع الفقهاء
للورثة على التنازل والتكافل معها يعد تطبيقاً عملياً لإزالة هذا الضرر بوسائل الإحسان المشروعة.
3. قاعدة:
"الشرط في المتبرع أن يكون مطلق التصرف في ماله"
تضبط
هذه القاعدة عملية التنازل؛ فلا يصح تنازل الأخ الكبير مثلاً نيابة عن إخوته
الصغار الأيتام القصر؛ لأن التبرع والتنازل ضرر مالي محض في حق الصغير، والتصرف في
مال القاصر يجب أن يكون يدور حول النفع المحض له.
والله تعالى أعلى وأعلم