الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : فقه الأسرة
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
23 - رقم الاستشارة : 5131
22/06/2026
هناك ممارسة يلجأ إليها بعض الرجال في آواخر حياتهم ربما ضغطا من أسرهم، أو رغبة شخصية منهم، وهي أن يتزوج الرجل الغني كبير العمر امرأة شابة لكنه لا يرغب أن تشارك الزوجة الجديدة عائلته في الميراث، فيشترط عليها شرطا في عقد الزواج أن تتنازل عن حقها الشرعي في الميراث، وأن لها منه فقط النفقة حال حياته، وتضطر بعض الفتيات الفقيرات للقبول، فهل هذا تصرف شرعي، وهل هناك مخارج شرعية أخرى غير هذا التصرف، وإن كان شرعيا فهل هو تصرف أخلاقي؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلا ومرحبًا بك أخي الكريم، الشريعة الإسلامية
الغرّاء جاءت بالعدل المطلق، ووضعت ميزانًا دقيقًا لحفظ الحقوق والواجبات بين بني
البشر، لا سيما في العلاقات الأسرية والمالية. وإن المسلم الحق هو الذي يدور مع
الحكم الشرعي وجودًا وعدمًا، إيمانًا منه بعلم الله المحيط وحكمته البالغة التي قد
تقصر عن إدراكها العقول البشرية أحيانًا؛ قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ
وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ
الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}.
وفي واقعنا المعاصر، تبرز نوازل اجتماعية واقتصادية
معقدة نتيجة تداخل المشاعر الإنسانية مع الحقوق المالية، ومنها مسألة لجوء بعض
كبار السن من الأغنياء إلى اشتراط تنازل الزوجة الجديدة عن الميراث لحماية ثروة
عائلته الأولى. وهذا التنازع يتطلب اجتهادًا فقهيًّا يوازن بين حق الرجل في
الزواج، وحق أسرته الأولى في "عائد السعاية والكد" الذي بذلوه معه طوال
عقود، وحق الزوجة الجديدة وأبنائها المستقبليين في الحماية المالية والكرامة
الإنسانية التي كفلها الشرع.
اختصارًا: اشتراط تنازل المرأة عن حقها في الميراث مستقبلاً في عقد الزواج هو شرط
باطل شرعًا ولا ينفذ بعد الوفاة، في حين أن عقد الزواج نفسه يظل صحيحًا. والسبب أن
الميراث حق ثبت بحكم الله تعالى ولا يملك الآدمي إسقاطه أو التنازل عنه قبل تحقق
سببه وهو وفاة المورِّث. وبناءً عليه، لو وافقت الزوجة على هذا الشرط لفظًا أو
كتابة، يحق لها شرعًا وقانونًا المطالبة بنصيبها المفروض في الميراث بعد وفاة
زوجها.
وبدلاً من اللجوء لشروط باطلة، أتاح الشرع مخارج تضمن
حقوق الجميع؛ منها: توثيق "حق السعاية والكد" للزوجة الأولى وأبنائها،
أو قيام الزوج بالهبة المنجزة في حياته لأبنائه وزوجته الأولى، أو تخصيص هبة منجزة
مقبولة للزوجة الجديدة تضمن استقرارها وتجعلها ترتضي التخارج عن الميراث طواعية
بعد الوفاة.
وبعد بيان الحكم الشرعي يأتي الحكم الأخلاقي، فالتصرف
القائم على استغلال فقر الفتاة لشرطٍ يهدر حقها المستقبلي هو تصرف يفتقر إلى
المروءة والإنصاف، والخوف أيضًا على ضياع جهود العائلة الأولى مشروع؛ لذا فإن
الأخلاق الإسلامية تدعو إلى الشفافية والحلول العادلة المنجزة في الحياة دون
اللجوء إلى صيغ التفافية أو استغلالية، أو باطلة، لا سيما إن كان في الميراث متسع
للجميع، وإن الغنى غنى النفس، والسعادة هبة الوهاب، يعطيها من يشاء بلا أسباب.
أولاً: حكم إسقاط الميراث قبل الموت في عقد الزواج أو
خارجه
اتفق جماهير الفقهاء من المذاهب الأربعة على أن الميراث
حكم تعبدي تشريعي من النظام العام في الإسلام، ولا يجوز إبطاله بالشروط، وأن إسقاط
الحق قبل وجوبه باطل.
المذهب الحنفي: جاء في "حاشية ابن عابدين" إرث
- 6/771:
"لو تراضيا على إسقاط حق الإرث قبل موت المورِّث،
فذلك باطل؛ لأن الحق لم يثبت بعد، وإسقاط الحق قبل ثبوته لا يعتد به".
المذهب الشافعي: جاء في "مغني المحتاج" للخطيب
الشربيني 4/24:
"لو قال الوارث لغيره: صالحتك على نصيبي من تركة
فلان حال حياته، لم يصح؛ لأنه بيع وصالح لما لم يملكه، وإبراء مما لم يجب".
المذهب الحنبلي: جاء في "المغني" لابن قدامة
المجلد 6 في مسألة الشروط الفاسدة في النكاح:
"إذا تزوجها بشرط أن لا ميراث بينهما، فالشرط باطل
والعقد صحيح... لأن هذا الشرط يخالف مقتضى العقد وما وضعه الشارع له من التوارث،
فهو كاشتراط إسقاط النفقة مستقبلاً، والشرط الفاسد لا يبطل النكاح".
ثانيًا: حق السعاية والكد حق العائلة الأولى:
في المقابل، نظر الفقه الإسلامي إلى جهد الزوجة الأولى
وأبنائها الذين شاركوا الزوج في تنمية ثروته. وهذا ما يُعرف في الفقه المالكي بـ
"حق السعاية والكد" أو فتوى ابن عرضون المعاصرة في المغرب العربي
وبموجبها أخذت بعض دور الإفتاء:
جاء في نوازل الشريف العلمي نقلاً عن فقهاء المالكية:
"إن الزوجة إذا كانت تنوب عن زوجها في أعماله، أو
تعينه في تجارته أو فلاحته، فإن لها حقًّا في الثروة المستفادة بقدر كدها
وسعايتها، ويُخرج هذا الحق من رأس المال كدَين، ثم تُقسم التركة بعد ذلك على
الورثة".
وبناءً على هذا التأصيل المعاصر، فإن ثروة الرجل الكبير
لم تعد محض ماله الخالص في نظر العدالة، بل خالطها كدّ عائلته الأولى، وهو حق
مشروع تجب رعايته بالتوازي مع حق الزوجة الجديدة.
وهذا مقصور فقط على ما شاركت به المرأة هي وأولادها في
عمل الرجل ليس مجرد وجودها فقط في حياته، وبالطبع هو مختلف عما نادت به جهات عدة
في الآونة الأخيرة من جعل هذا الحق لازمًا لكل زوجة لمجرد أنها كانت زوجه، اقتصر
دورها على رعاية الأبناء والجلوس في البيت فإذا مات كلن لها من حق السعاية فوق ما
فرضه الشرع من ميراث، وكأن حكمة الخبير حاشاه قد قصرت عن إدراك ما أدركته تلك
العقول الضعيفة القاصرة، ولذلك فإن صياغة قانون عام ملزم لجميع الحالات سيظلم أكثر
مما يصلح، والفتوى بشكل عام لا تصلح لجميع الحالات، فالاحتمالات والصور لا تنتهي
ولا بد من دراسة كل حالة على حدة.
القواعد الفقهية الحاكمة:
تتكامل القواعد الفقهية لتفكيك هذه المعضلة ورسم ملامح
الحل العادل:
قاعدة "الإسقاط لا يكون إلا بعد الثبوت":
تعتبر هذه القاعدة الركيزة الأساسية في بطلان شرط
التنازل؛ فالزوجة لا تملك حق الميراث في حياة زوجها، وما لا تملكه لا تستطيع
إسقاطه.
قاعدة "المسلمون على شروطهم إلا شرطًا أحل حراماً
أو حرم حلالاً":
وهي مستندة للحديث الشريف. واشتراط منع الميراث هو شرط
يحرم ما أحله الله تبارك وتعالى وفرضه في كتابه من فرض الثمن أو الربع للزوجة؛
فالشرط ساقط لمصادمته النص.
قاعدة "الغُرم والغُنم" وقاعدة "الجهد
يُقابل بالمال":
تشرعن هذه القاعدة حق الزوجة الأولى وأبنائها في اقتطاع
نصيبهم من الثروة المقابل لجهدهم حق السعاية قبل تحويل المال إلى تركة؛ فالذين
تحملوا غُرم التأسيس والعمل مع الوالد لهم غُنم الثمرة.
قاعدة "المشقة تجلب التيسير" و "لا ضرر
ولا ضرار":
تسوّغ للزوج استخدام الخيارات البديلة لحماية أسرته
الأولى من الضرر، وحماية الزوجة الجديدة من الفقر والابتزاز.
المخارج الشرعية والعدالة التوزيعية بين الأطراف:
بما أن المسلم يلتزم بالشرع بحذافيره، فإن إبطال الشرط
المذكور لا يعني إغفال مخاوف الأبناء أو جحد كدّ الزوجة الأولى، كما لا يعني ترك
الزوجة الجديدة بلا أمان. وقد أتاح الشرع مخارج بديلة ومشروعة تتلخص في الصياغة
التالية:
المخرج الأول يتجلى في توثيق شركة الكد والسعاية: وتطبيقها يكون عبر تسجيل نسبة محددة من أملاك
الزوج باسم الزوجة الأولى وأبنائها شرعًا وقانونًا كشراكة مالية واضحة نظير عملهم
وجهدهم طوال السنين؛ وهذا الإجراء يحمي تمامًا حق الزوجة الأولى والأبناء لأن هذه
الأموال المستقطعة تخرج من ذمة الرجل المالية في حال صحته، فلا تدخل في التركة
أصلاً عند وفاته ولا تشاركهم فيها الزوجة الجديدة.
وهذا مقصور فقط على ما شاركت به المرأة هي وأولادها في
عمل الرجل ليس مجرد وجودها فقط في حياته، وبالطبع هو مختلف عما نادت به جهات عدة
في الآونة الأخيرة من جعل هذا الحق لازمًا لكل زوجة لمجرد أنها كانت زوجه، اقتصر
دورها على رعاية الأبناء والجلوس في البيت فإذا مات كلن لها من حق السعاية فوق ما
فرضه الشرع من ميراث، وكأن حكمة الخبير حاشاه قد قصرت عن إدراك ما أدركته تلك
العقول الضعيفة القاصرة، ولذلك فإن صياغة قانون عام ملزم لجميع الحالات سيظلم أكثر
مما يصلح، والفتوى بشكل عام لا تصلح لجميع الحالات، فالاحتمالات والصور لا تنتهي
ولا بد من دراسة كل حالة على حدة.
المخرج الثاني يتمثل في الهبة المنجزة في الحياة: حيث يقوم الرجل بنقل ملكية بعض العقارات أو الأصول
المالية لأبنائه من زوجته الأولى كعطية منجزة بشرط الحيازة والقبض التام وهو في
كامل أهليته وصحته؛ ويضمن هذا التصرف تلبية رغبة الذرية والزوج في إيصال ماله لمن
يشاء في حياته، كما يحمي الأبناء من مشاركة الزوجة الجديدة لهم في أعيان هذه
الأملاك بعد الممات.
المخرج الثالث يقوم على الهبة المشروطة للزوجة الجديدة: وذلك بأن يشتري الزوج مسكنًا أو يخصص مبلغًا ماليًّا
كافيًا للزوجة الجديدة ويهبه لها في حياته ليوفر لها الأمان المالي والعيش الكريم،
وتتعهد هي في مقابل ذلك كتابةً بـ "التخارج" أي التنازل عن بقية الميراث
للأبناء مقابل هذه الهبة المحققة، على أن يكون هذا التعهد ساريًا ونافذًا بعد
وفاته طواعية وبناءً على تسوية عادلة ترتضيها، وليس كشرط مُقيد في صلب عقد الزواج.
إن الالتزام بهذه المخارج الشرعية المصاغة يضمن للزوج
حقه في الزواج والإعفاف، وللعائلة الأولى حقها في ثمرة كدها، وللزوجة الجديدة
كرامتها وحقها المفروض، متجنبين الشروط الباطلة التي تورث النزاع والقطيعة بعد
الممات. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
فلسفة الإسلام في تقسيم المواريث ودعوى ظلم المرأة
حكم تنازل الأم عن ميراث ولدها القاصر من أبيه