الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : المعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
29 - رقم الاستشارة : 5027
14/06/2026
ما حكم بيع الأغذية المعدلة وراثياً أو التي تحتوي على مواد حافظة بنسب تتجاوز المعايير الطبية المعتمدة؟ وهل يعتبر كتمان هذه التفاصيل من "الغش التجاري" المحرم؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فمرحبًا بك أخي الكريم، وإن من مقاصد الشريعة الإسلامية
حفظ النفس وحفظ المال. وقد أباح الله عز وجل الطيبات من الرزق وحرّم الخبائث، وجعل
الأصل في الأطعمة والمعاملات الإباحة ما لم يرد دليل بالتحريم. ومع الطفرة العلمية
المعاصرة في مجال التقنيات الحيوية والصناعات الغذائية، ظهرت مسألتان غاية في
الأهمية:
الأولى: الأغذية
المعدلة وراثيًّا بالهندسة الجينية للأطعمة.
والثانية: استخدام
المواد الحافظة بنسب تتجاوز المعايير الطبية المعتمدة. ولما كان البيع والشراء
يرتبطان بسلامة المستهلك وأمانة التعامل، فإن الشريعة تزن هذه المستجدات بميزان
المصالح والمفاسد، والضرر والنفع، والصدق والبيان، لتحديد الأحكام الشرعية
المناسبة لكل صورة، وبيان حكم كتمان هذه الصفات.
اختصارًا:
الصورة الأولى: الأغذية المعدلة وراثيًّا يجوز بيعها
وتناولها بشرطين:
· أن يثبت
طبيًّا وعلميًّا عدم ضررها على صحة الإنسان.
· ألا تشتمل
على جينات من محرم كالخنزير مثلاً.
الصورة الثانية: المواد الحافظة الزائدة عن المعايير:
يحرم شرعًا بيع الأغذية التي تحتوي على مواد حافظة تتجاوز الحد الطبي المعتمد؛ لما
في ذلك من ضرر محقق أو مظنون على صحة الإنسان، ويعتبر كتمان التعديل الوراثي إذا
كان مؤثرًا، وكتمان زيادة المواد الحافظة من "الغش التجاري" المحرم شرعًا،
وهو من كبائر الذنوب، ويوجب خيار العيب للمشتري، ويضمن البائع ما نتج عنه من آثار
للمستهلك.
آراء العلماء:
أولاً: حكم الأغذية المعدلة وراثيًّا:
اختلف العلماء المعاصرون والمجامع الفقهية في حكم هذه
الأغذية بناءً على تحقق الضرر من عدمه، وانقسمت الآراء إلى اتجاهين:
الاتجاه الأول: الإباحة المشروطة بسلامتها وهو رأي
المجامع الفقهية:
يرى جمهور العلماء المعاصرين والمجامع الفقهية أن الأصل
في هذه الأغذية الإباحة؛ لأنها تدخل في عموم إباحة الطيبات، ولا تحرم إلا إذا ثبت
ضررها.
قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون
الإسلامي:
ناقش المجمع هذا الموضوع في دورته الخامسة عشرة بمسقط
سلطنة عمان عام 1425هـ 2004م، وصدر القرار رقم 135 11/14 بشأن "الأطعمة
المعدلة وراثيًّا"، وجاء في نصه:
"بناءً على أن الأصل في الأطعمة الإباحة، وأن
التحريم لا يثبت إلا بنص شرعي أو ضرر محقق... يقرر ما يلي:
1- جواز استخدام تقنية الهندسة الوراثية في تحوير الصفات
الوراثية للحيوان والنبات، بشرط عدم إلحاق الضرر بالإنسان أو الحيوان أو البيئة.
2- جواز إنتاج الأغذية المعدلة وراثيًّا من أصل نباتي أو
حيواني مباح، وتداولها، بشرط التأكد من سلامتها المخبرية والطبية وعدم إلحاق الضرر
بمن يتناولها".
قرار المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم
الإسلامي:
ناقش المجمع الهندسة الوراثية في دورته الخامسة عشرة
بمكة المكرمة عام 1419هـ 1998م وجاء في قراره الخامس:
"يجوز استخدام هندسة الجينات الهندسة الوراثية في
مجالات الزراعة وتربية الحيوان، شريطة اتخاذ جميع الاحتياطات الكفيلة بمنع حدوث أي
ضرر -ولو على المدى البعيد- بالإنسان أو الحيوان أو البيئة".
الاتجاه الثاني: المنع أو التوقف:
يرى فريق من العلماء المعاصرين المنع مطلقًا أو التوقف؛
استنادًا إلى أن هذا التعديل يعد "تغييرًا لخلق الله" المحرم، ولما قد
يترتب عليه من أضرار غير مكتشفة مستقبلاً. وهذا الرأي مرجوح أمام قرارات المجامع
التي ربطت الحكم بالضرر العلمي والتحقق الطبي.
ثانيًا: حكم الأغذية التي تحتوي على مواد حافظة تتجاوز
المعايير المعتمدة
في هذه الصورة، اتفق العلماء بناءً على القواعد الفقهية
المستقرة قديمًا على التحريم المطلق لبيع أو تداول هذه الأغذية.
وجه التحريم عند الفقهاء قديمًا:
قرر الفقهاء قديمًا تحريم بيع كل ما يضر بالإنسان. قال
الإمام النووي الشافعي في روضة الطالبين 3/356: "كل ما يضر تناوله يحرم بيعه
كالسموم". وجاء في كشاف القناع للبهوتي الحنبلي 3/164: "ولا يجوز بيع ما
فيه ضرر بلا نفع، كالأطعمة الفاسدة والسموم القاتلة".
التكييف الفقهي الحديث:
المواد الحافظة إذا تجاوزت المعايير الطبية المعتمدة
تصبح مواد سامة وضارة بصحة الإنسان تسبب أمراضًا خطيرة كالسرطان والفشل الكلوي.
وبناءً عليه، فإن بيعها يعد إعانة على الإضرار ببدن المسلم، وهو محرم بالإجماع.
ثالثًا: حكم كتمان هذه التفاصيل وعلاقته بالغش التجاري
كتمان تجاوز المواد الحافظة للمعايير الطبية، أو كتمان
كون المادة معدلة وراثيًّا إذا كان المستهلكون يتحرزون منها أو كانت القوانين تلزم
ببيانها، يعد غشًّا تجاريًّا محرمًا بكافة المقاييس الشرعية.
والأصل في هذا الباب الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم في
صحيحه رقم 102 عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ مرّ على صُبْرَةِ طعام، فأدخل يده فيها فنالت أصابعه
بللاً، فقال: "ما هذا يا صاحب الطعام؟" قال: أصابته السماء يا رسول
الله، قال: "أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غشّ فليس مني".
وقد نقل العلماء الإجماع على تحريم كتمان عيوب السلعة
وخطرها. قال الإمام ابن عبد البر في التمهيد 13/242:
"والغش في البيوع وفي كل شيء حرام بإجماع المسلمين،
وأصل ذلك نهي رسول الله ﷺ عن الغش، وأمره بالبيان".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى 28/104: "وكتمان
العيوب غش وهو حرام، ومثل ذلك أن يظهر السلعة بشكل يوهم جودتها وهي على خلاف ذلك،
فكل هذا من الغش الذي نهى عنه النبي ﷺ".
فكتمان زيادة المواد الحافظة الضارة هو كتمان لعيب مهلك،
وهو أشد أنواع الغش جُرمًا؛ لأنه غش في السلامة والصحة وليس في مجرد جودة السلعة،
وكتمان التعديل الوراثي في بلد أو سوق يشترط بيانه، أو يعزف الناس عنه، يعتبر
كتمانًا لصفة مؤثرة في الثمن ورغبة المشتري، فيدخل في الغش والتدليس.
القواعد الفقهية الحاكمة:
تستند هذه الفتوى إلى مجموعة من القواعد الفقهية الكبرى
والكلية التي تضبط المعاملات وحماية الأنفس:
قاعدة: لا ضَرَرَ ولا ضِرَارَ:
وهي حديث نبوي وقاعدة فقهية كبرى. تطبق على منع بيع
المواد الحافظة الزائدة عن الحد الطبي؛ لأنها تلحق الضرر بالمستهلك، والشرع جاء
برفع الضرر ابتداءً لا ضرر ومنع مقابلته بمثله ولا ضرار.
قاعدة: الأصلُ في الأشياءِ الإباحةُ:
تطبق على الأغذية المعدلة وراثيًّا؛ فما لم يثبت بالدليل
القاطع أو الفحص الطبي أن هذا التعديل ينتج مادة ضارة أو خبيثة، فإنها تبقى على
أصل الإباحة والحل.
قاعدة: الضررُ يُزَالُ:
توجب على الجهات الرقابية والتجار سحب الأغذية المخالفة
للمواصفات الطبية ذات المواد الحافظة العالية من الأسواق؛ لأن وجودها ضرر طبي
متعين يجب إزالته.
قاعدة: البيانُ يُوجِبُ الرِّضَا، والكِتْمَانُ يُوجِبُ
الخِيَارَ:
تطبق في باب الغش؛ فالتجارة مبناها على الصدق والبيان.
فإذا كتم البائع تجاوز النسب الطبية للمواد الحافظة أو كتم التعديل الوراثي، فقد
أعدم رضا المشتري الحقيقي، وثبت للمشتري "خيار العيب" أو "خيار
التدليس" لفسخ العقد واسترداد ماله. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
صور حديثة من الخداع يمارسها بعض التجار
من الأخلاق الغائبة.. الصدق في البيع والشراء